الاثنين، 24 يوليو 2017

تعالو نكفر بالمدينة

للأستاذ عبد الحميد ياسين

إن من حق الأسماك والحيوانات الأخرى في المحيط الهادي، بل من واجبها أن تبتهج وتلهج بالثناء على جمعية حماية الحيوانات في سويسرا حين تقرأ - كما قرأنا بالأمس - نبا الاحتجاج الشديد الذي قدمته هذه الجمعية إلى الرئيس ترومان على تجربة القنبلة الذرية في مكان ما في ذاك المحيط.

حقا، أن المدينة قد بلغت الذروة في السمو، والشعور الإنساني قد بلغ حدا من الإرهاف لم نكن نحلم به

لقد ساء هذه الجمعية تعريض الحيوانات للخطر من جراء تجربة القنبلة الذرية فاندفعت تحتج عليه؛ أما أنا فسرعان ما عادت بي الذاكرة طاوية اشهرا عشرا إلى اليوم الذي أسقطت فيه إحدى القلاع الطائرة الأمريكية هدية نفيسة صغيرة الحجم غالية الثمن على مدينة هيروشيما اليابانية. لقد كانت هذه أيضاً قنبلة ذرية، بل أول واحدة تفتقت عنها عبقرية مدينة الغرب، وأهدتها إنسانيته الرفيعة. كان لهذه القنبلة دوي وانفجار، ودخان ونار، وحرق وهدم، وموت مخيف أودت بحياة مائتي ألف من الناس، وأصابت كثيرين بعاهات. وبعد أيام معدودة تلتها قنبلة أخرى أهديت إلى مدينة أخرى في اليابان كانت أقوى أثرا وأشد فتكا

عدت ابحث في زوايا الذاكرة عن نبا استهجان أو استنكار أو احتجاج أوحت به العاطفة الإنسانية الرفيعة إلى جمعية في سويسرا أو غيرها من البلدان الموغلة في المدينة، فلم أجد شيئا. ثم جعلت افكر، فهداني الفكر إلى تعليل بدا مقبولا: إذ قلت لنفسي: لو استنكرت جمعية كهذه عملا كهذا، أو استهجنته، أو احتجت عليه، لفسر ذوو الحول والطول عملها بأنه مناهض للقوى الديمقراطية، وانعموا عليها وعلى القوم الذين تقوم بين ظهرانيهم بقنابل صاعقة ماحقة بغية التأديب والتهذيب

وفكرت في سويسرا تلك البلاد البالغة الذروة في المدينة والرقي الإنساني، وذكرت أنها كانت مقرا لعصبة الأمم، وأنها فندق أوربا في الصيف والشتاء وما بينهما. فقلت: لعل هذه الصيحة من جمعية فيها تذكر الناس بأنها لا تزال الفندق الفخم الذي عرفوه، ليعودوا أليه بمنظمتهم العالمية الجديدة، حيث الجو الإنساني مؤات، والعواطف النبيلة السامية تملا الأرجاء.

وكدت اسبح بحمد الرغيف الذي يوحي سياسات الدول، ويقرر مصاير الشعوب؛ ولكني آثرت الاتئاد والتروي، واعدت النظر في احتجاج تلك الجمعية، فرأيت فيه نفاقا لا ينكره إلا أعمى، ولا يسكت عليه إلا مأجور، ولا يستسيغه إلا ذو ذهن بليد، وشعور مثلم، وخيال مهيض الجناح. ودعوت الله أن لا يجعلني وبني قومي من المنافقين العمى المأجورين، وجئت أدعو الناس، دعوة خالصة لوجه الله، أن نكفر بهذه المدينة ونؤمن بالله وحده

(القدس)

عبد الحميد ياسين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق